نصر حامد أبو زيد
103
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
الوقائع والحالات « بالقياس » . لكن علينا أن ندرك أن هذا النقل من السبب إلى « صورة السبب » ، أو من الواقعة الخاصة إلى ما يشبهها لا بد أن يستند إلى « دوال » في بنية النص ذاته تساعد على نقل الدلالة من « الخاص » والجزئي إلى « العام » والكلي . وإذا كانت قضية « العموم والخصوص » ستناقش في الباب الثاني الخاص بآليات النص في انتاج الدلالة ، فمن الطبيعي أن نكتفي هنا بمناقشة مفهوم القدماء لعلاقة الارتباط بين المعنى و « أسباب النزول » . زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ وأخطأ في ذلك بل له فوائد : منها معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم . ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب . ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه ، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته ، فان دخول صورة السبب قطعي واخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الاجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ولا التفات إلى من شذ فجوّز ذلك . ومنها الوقوف على المعنى وإزالة الاشكال ، قال الواحدي : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها . وقال ابن دقيق العيد : بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن . وقال ابن تيمية : معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فان العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب « 1 » . إن الذي يجمع بين هذه الفوائد ويضمها في اهاب واحد هو سعي المفسر والفقيه إلى اكتشاف دلالة النص ومعناه . وإذا كان اهتمام الفقهاء قد انصب أساسا على النصوص الخاصة بالأحكام دون ما عداها من النصوص فان طرائقهم في تحليل النصوص لاستقطار دلالتها طرائق هامة ، فيما يرتبط بمنهج التحليل اللغوي للنصوص بشكل عام . ويعلّمنا هذا المنهج أن السعي لاكتشاف دلالة النص يجب أن لا يفصل بين النص وبين الوقائع التي يعبر عنها ، ولكنه لا يصح أن يقف عند حدود هذه الوقائع دون أن يدرك خصوصية الأداء اللغوي في النص وقدرتها على تجاوز الوقائع الجزئية . إن درس « أسباب النزول » يزود الفقيه بالعلة من وراء أحكام النصوص . ومن خلال اكتشاف هذه العلة يستطيع الفقيه أن يعمم الحكم على وقائع أخرى شبيهة . إن الوقائع لا نهاية لها ، والواقع في حالة حركة مستمرة سيالة ، ولكن النصوص من جهة أخرى محدودة وان كانت قادرة على استيعاب تلك الوقائع بحكم قدرة اللغة على
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 28 ، وانظر أيضا : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 23 .